هل يمكن تركيب ألواح للطاقة الشمسية في أنتاركتيكا؟

15 يوليه 2021
Clean Energy, Projects
إضافة إلى كونها أكثر قارات العالم برودة، تعتبر القارّة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) أيضاً أكبر صحراء على وجه الأرض، حيث توازي مساحتها ضعفي مساحة الصحراء الكبرى.
بالنسبة لميشيل أبي صعب، مدير خدمات الطاقة في "مصدر"، كانت زيارة محطة "كايسي" للأبحاث، التي أنشئت على حافة غطاء جليدي ضخم، تجربة ممتعة غيّرت نمط حياته.
في هذا الحوار، يتذكّر ميشيل مهمّة البحث التي قام بها إلى المحطة منذ ثلاث سنوات موفداً من قبل شركة "مصدر".


أخبرنا كيف جاءت تلك الفرصة للعمل في محطة أبحاث "كايسي"؟
في العام 2018، اجتمع ممثلون عن "مصدر" مع مسؤولين في "برنامج أنتاركتيكا الأسترالي" بحثاً عن فرص تعاون من أجل تطوير خطة فعّالة لاستهلاك الطاقة المتجدّدة وتراعي المعاييرالبيئية. وكان من أهداف التعاون بين الطرفين أيضاً توفير فرصة تدريب قصير الأجل للشباب الإماراتي في محطة "كايسي".
خلال الاجتماع، اقترحنا إجراء تدقيق في المحطة لتقييم نظام الطاقة الخاص بها واقتراح استراتيجية لتحسين كفاءة الطاقة وتقليل اعتمادها على وقود الديزل. وكان هدفنا العمل بشكل وثيق مع فنّيي البرنامج ومهندسيه لتحليل أنماط استهلاك الطاقة والمياه. وقد تم اعتماد هذا الاقتراح وتم ترشيحي من قبل "مصدر" للقيام بمهمّة في القارّة القطبية الجنوبية لإعداد الأعمال الأساسية لتنفيذ اقتراحنا.
وبصفتي مهندساً ميكانيكياً ولديّ خبرة في أنظمة التدفئة والتبريد، وجدت أنّ هذه فرصة مهنيّة ثمينة، كما أنّها تلبّي شغفي بالطبيعة.

ما كان انطباعك الأول عن أنتاركتيكا؟
لا شكّ أنّها تبهر جميع حواسك: من البياض والبرد وصوت السكون إلى أصوات الرياح العاصفة... لقد رأيت كل ما كنت أتوقّعه، لكنّ كان مختلفاً في الوقت نفسه لأنّني كنت أختبره لأول مرّة عن كثب. لقد كانت تجربة مفصليّة في حياتي.

أخبرنا عن تجربتك في المحطّة؟
افتتحت محطة كايسي في العام 1969، وهي أقرب محطة قارّية في أنتاركتيكا إلى أستراليا. وقد أجرت العديد من برامج البحث العلمي. ويدير المحطة نحو 20 من كبار الباحثين والمهندسين الذين يعملون بالتناوب لضمان تواصل نشاط المحطّة على مدار الساعة طيلة أيام الأسبوع، وذلك في درجات حرارة قد تتجاوز 10 درجات مئوية في الصيف بينما تنخفض إلى أقل من 40 درجة تحت الصفر في الشتاء.
وتستخدم مباني المحطة كمساكن ومختبرات ومستشفى للعمليات الجراحية وخدمات الطوارئ وتوليد الطاقة بالديزل وإنتاج مياه الشرب وإدارة النفايات وأنظمة مراقبة الأرصاد الجوية، وتضم حديقة للزراعة المائية ومرافق لتخزين الطعام.

ما كانت نتيجة التدقيق الخاص بالطاقة وما هي الإجراءات التي اقترحتموها؟
أجرت "مصدر" تدقيقاً للطاقة في المحطة بالتعاون مع فريق البنية التحتية التابع لبرنامج أنتاركتيكا الأسترالي. وكانت أبرز نتيجة توصلنا إليها أنّنا بحاجة إلى إحداث بعض التغيير، وقد اقترحنا عدداً من الإجراءات البسيطة التي سيكون لها تأثير إيجابي شامل.

هل تذكر لنا بعضها؟
قد تندهش لبساطة الإجراءات، لكنها تظهر أيضاً أنّ أي تغيير صغير قد يكون تأثيره كبيراً. فقد ركّزنا على مسألة التنبّه لكيفيّة استهلاك الطاقة وأهمّية بعض التغييرات السلوكية، حيث أنّ الماء والطاقة أغلى ثمناً هناك.

كيف تحصل المحطة على حاجتها من الطاقة وهل وجدتم ثغرات في الكفاءة من خلال التدقيق؟
اعتمدت المحطة بالكامل على الوقود الأحفوري لمولّدات إنتاج الطاقة في الموقع. وهذا مكلف بالنظر إلى الأعباء الإضافية لنقل الوقود من أستراليا إلى أنتاركتيكا، ناهيك عن الأثر السلبي الكبير على البيئة.
وكنّا بحاجة إلى إعادة النظر في استهلاك المياه أيضاً. فالمصدر الرئيسي للمياه هو بحيرة قريبة متجمّدة، حيث تجري إذابة كتل الجليد ووضعها في خزانات لاستخدامها. وتوجّب علينا إيجاد طريقة فعّالة لإذابة الجليد، لأن ذلك يتطلّب مصدراً للطاقة.
وحددنا أيضاً عدم كفاءة في التدفئة، حيث أنّ العديد من مباني المحطة كانت تجري تدفئتها على مدار اليوم، بغضّ النظر عن وجود أشخاص فيها، وذلك لأنّهم كانوا بحاجة إلى الحفاظ على درجة حرارة معيّنة حتى لا يتجمّدوا.


هل أضفتم أية مصادر طاقة متجدّدة إلى المصادر الموجودة؟
في ديسمبر 2018، أرسلت "مصدر" 105 ألواح شمسية كهروضوئية إلى محطة كايسي. وتم اختيار الألواح بحيث تتحمّل سرعة الرياح العالية ودرجات الحرارة المنخفضة في المحطة. وتطلّب منا المناخ القاسي وسرعة الرياح إيجاد طرق جديدة لتثبيت هيكلية الطاقة الشمسية الكهروضوئية. وقد عمد الفنّيون إلى تركيب الألواح على واجهة أحد مباني المحطة.
جرى تشغيل النظام الكهروضوئي في مارس 2019 وبدأ استخدامه منذ ذلك الحين لتوليد الكهرباء النظيفة للمحطة وتقليل استهلاك الديزل.
وكان علينا إجراء البحث من نقطة البداية للعثور على ألواح شمسية جديدة ومورّدين متخصصين، وبعدها عمليات الشحن والتركيب.
في ذلك الوقت، كانت لدينا شكوك حول ما إذا كان النظام سيعمل وفق ما خطّطنا له. وأنا فخور بأنّه بعد مرور نحو عامين، يقوم النظام اليوم بتوليد 30 كيلوواط من الطاقة.


كيف قمتم بتركيب الألواح الشمسية في أنتاركتيكا، وكيف يختلف ذلك عن الإمارات؟
هنا في الإمارات، أو في أيّ مناخ كثيف الشمس، نحاول تجنّب تركيب الألواح الشمسية عمودياً. لكن في أنتاركتيكا، قمنا بتركيبها عمودياً لتجنّب تراكم الثلوج وحدوث أيّ خلل بسبب الرياح. وقد جعلنا الألواح قريبة من جدران المحطة لخلق عازل وتعزيز السلامة وسط المناخ القاسي.
لقد شهدت المحطة في يونيو 2019 هبوب رياح سرعتها 193 كلم في الساعة. ولم يتبيّن وجود أية أضرار في الألواح الكهروضوئية فاستمرّ توليد الطاقة كالمعتاد.
وقد أشرفت "مصدر" وبرنامج أنتاركتيكا الأسترالي على تركيب هذه الألواح الشمسية، وكنّا مع الفنّيين في كل خطوة من العمل لضمان إنجازه بالطريقة الصحيحة.

الماء مورد نادر، فهل يمكنك أن تخبرنا عن كيفيّة تحكّم المحطة بالاستهلاك؟

لقد لفتني الاهتمام الذي يولونه للمياه في المحطة. والفريق كان يستخدمه بأكبر قدر ممكن من الكفاءة. فهناك قيود على الاستحمام، حيث يمكن لكل شخص الاستحمام مرّة واحدة كل يومين، ولا يمكن أن يتجاوز الاستحمام دقيقتين.
بالنسبة لغسيل الأطباق، يجري ملء حوض المطبخ بالماء ويتم شطف الأطباق فيه باستخدام الماء نفسه. فالماء سلعة مهمّة ونادرة، ومصدرها الجليد، ونحن بحاجة إلى استخدام الطاقة لإذابته وتحويله إلى مياه صالحة للشرب.


هل وجدت تشابهاً بين تجربة العمل في مناخ صحراوي حارّ وصحراء أنتاركتيكا الباردة؟
عندما وصلت إلى أنتاركتيكا، وجدت العديد من أوجه التشابه بين الصحراء الساخنة والصحراء الباردة. ففي القارّة القطبية الجنوبية، يتميّز المناخ بالقساوة نفسها والجفاف نفسه، لذلك فإنّ أنظمة الطاقة متشابهة أيضاً.

ختاماً، ما الذي غيّرته فيك هذه التجربة؟
لقد جعلتني التجربة أكثر وعياً وامتناناً لنعمة وجود الطاقة عندنا. وأشعر اليوم بمسؤولية أكبر تجاه حماية كوكبنا. وعلى المستوى الشخصي، خبرة زملائي في أنتاركتيكا وتواضعهم جعلاني أكثر تواضعاً من أيّ وقت مضى.